المقالات

من أرض وادان إلى قبة البرلمان… حكاية رجل بحجم وطن

في قلب صحراء موريتانيا، وتحديدا في مدينة وادان التاريخية، ولد رجل لم يكن كغيره من الرجال؛ رجل أدرك منذ نعومة أظفاره قيمة المكان، وعظمة الإرث، وواجب الوفاء. إنه الشيخ ولد بايه، أحد أبناء وادان البررة، الذين عرفوا قدر مدينتهم وقدر أهلها، فلم يدخروا جهدا في خدمتها والنهوض بها.

رجل البر والوفاء

امتدت أياديه البيضاء إلى كل زاوية في وادان، ولم تقتصر بركاته على المدينة فحسب، بل شملت معظم أرجاء ولاية آدرار. بنى المدارس، وحفر الآبار، ورعى الطلبة، واهتم بدور العبادة، وساهم بسخاء في مشروعات التنمية المحلية، بعيدا عن ضجيج الإعلام أو حب الظهور.

عرف عنه الإنفاق في السر قبل العلن، والبذل دون منة، والعطاء دون انتظار شكر. يقصده المحتاج فيجد السعة، ويطلبه ابن السبيل فيلقى الكرم، ويستعين به الساعي للخير فيجد النصير والداعم.

إحياء الذاكرة والتاريخ

كان له دور محوري في إعادة الروح إلى مدينة وادان من خلال مهرجان المدن القديمة، حيث سعى إلى تسليط الضوء على الإرث الحضاري الغني للمدينة، وربط الماضي العريق بالحاضر الطموح. وبدعمه ومتابعته، تحولت وادان من مدينة منسية إلى محطة إشعاع ثقافي ووجهة وطنية يحتفى بها سنويا.

حياته المهنية… من الجيش إلى قبة البرلمان

رغم انشغاله بالشأن المحلي والاجتماعي، فإن للشيخ ولد بايه مسيرة مهنية حافلة ومشرفة في خدمة الوطن. بدأ حياته العسكرية والتحق بالجيش الوطني، حيث تدرج في الرتب إلى أن أصبح عقيدا، وهو ما يعكس كفاءته وانضباطه ومهاراته القيادية.

بعد مسيرته العسكرية، شغل منصب مدير الرقابة البحرية، وهو موقع استراتيجي يعكس ثقة الدولة في نزاهته وخبرته، حيث أشرف على تنظيم ومراقبة الثروات البحرية، بما فيها من أهمية اقتصادية وأمنية للبلاد.

ثم جاءت ذروة عطائه الوطني عندما تم انتخابه رئيسا للجمعية الوطنية الموريتانية (البرلمان)، ليكون بذلك على رأس السلطة التشريعية في البلاد. وخلال فترة رئاسته، عرف بالحزم والانضباط، وبحرصه على تعزيز دور البرلمان كمؤسسة رقابية وتشريعية، تسهر على خدمة المواطن والدفاع عن مصالحه.

قوة الشخصية ونبل الأخلاق

اجتمعت في الشيخ ولد بايه صفات نادرة: الصرامة في المواقف، واللين في المعاملة، والإخلاص في العمل، والوفاء للعهود. جمع بين الأصالة والتجديد، وبين الانتماء المحلي والمسؤولية الوطنية، فكان صوت وادان في مؤسسات الدولة، وذراع آدرار في مشاريع التنمية، وضميرا حيا لكل من عرفه وتعامل معه.

لم تغره المناصب، ولم تغيره الألقاب، فظل كما عرفه أهل منطقته: قريبا من الناس، حاضرا في المناسبات، مساندا في المحن، سباقا لفعل الخير.

مفخرة لوادان وآدرار

إن الحديث عن الشيخ ولد بايه، ليس مجرد استحضار لشخصية عامة، بل هو استذكار لنموذج وطني نادر، استطاع أن يكون همزة وصل بين المجد التاريخي لوادان، وطموح الحاضر والمستقبل. هو ابن الصحراء الذي لم ينس جذوره، رغم علو مقامه واتساع سلطاته.

ومثله، يحق لوادان أن تفتخر، ولآدرار أن تعتز، ولموريتانيا أن ترفع الرأس برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

ع.م

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى